شكيب أرسلان

179

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

أبعد من السماء عن الأرض « 1 » والكتاب في محكم آياته قد تأيّد بظهور النظريات العلمية العصرية ، التي أجمعت على الرأي السديمي في مبدأ التكوين ، وأثبتت أنّ هناك كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأنّه أشار بكلمات موجزات تلخّص فيها الرأي السديمي الذي أجمعوا عليه في هذا العصر ، على حين أنّه في زمن نزول القرآن لم يكن رأي سديمي ولا شيء من هذه النظريات ، وكان الذي أنزلت عليه هذه الآيات أميّا لا يقرأ ولا يكتب . ومن أراد أن يعلم معجزات القرآن من جهة سبقه إلى ذكر النواميس الطبيعية التي عوّل عليها العلماء اليوم في أمر التكوين ، فليقرأ كتاب « سرائر القرآن » للغازي الفلكي الرياضي أحمد مختار باشا رحمه اللّه « 2 » . * * *

--> ( 1 ) لقد كان للأمير مندوحة عن تخطئة هذا التفسير للآية بالاستدلال على الرأي السديمي في التكوين بقوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] فهي نصّ في التكوين من الدخان ، الذي يطلق على بخار الماء ، وفسر به في الآية وعلى ما يشبهه . [ أما ] الآية التي ذكرها [ الدخان : 10 ] فموضوع الدخان أمر يرتقب حصوله في المستقبل ، وفيه قولان مشهوران مرويان لا رأيان للمفسرين . الأول : ما ذكره الكاتب مجملا ، وهو مرويّ على أنّه سبب لنزول الآية في « الصحيحين » [ خ ( 4548 ) م ( 2798 ) ] عن ابن مسعود رضي اللّه عنه . والثاني : أنّه دخان يكون من أشراط الساعة ، وفيه عدة أحاديث ، مصححه . ( 2 ) قد سبقنا أحمد مختار باشا إلى بيان كثير من هذ المسائل في « المنار » وفي « تفسيره » ، مصححه .